مدارات إبن الشاطيء الأدبية والثقافية  

العودة   مدارات إبن الشاطيء الأدبية والثقافية > (5) .:: الأدب العربي والفكر النقدي ::. > الدراسات الأدبية والنقدية
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

الإهداءات

رد
انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 12-15-2021, 02:36 PM
رياض محمد سليم حلايقه غير متواجد حالياً
أديب / طاقم الإدارة
 
تاريخ التسجيل: May 2013
الدولة: عمان / الأردن
المشاركات: 6,039
دولة فلسطين
افتراضي قراءة في رواية " رجل من الماضي " للأديب : رياض حلايقة

قراءة نقدية لرواية من الخيال العلمي بعنوان
" رجل من الماضي "ط1 (2014) (٣٨٣ص) دار دجلة ، الأردن
للروائي الكاتب" رياض حلايقة "
إعداد د .أمل بورشك : 1/12/2021م
ما أن تمسك بالرواية وتتأمل صورة الغلاف المصقول الذي ترى فيه بقعة مضيئة على ناطحات السحاب الأمريكية " ترمز إلى أن هناك مساحة من النور والأمل دوما في الحياة "، وغموض مبهم يكتنفك عندما تنظر إلى أسفل الغلاف لتشاهد محددات شكل مخلوق فضائي ينظر إلي ناطحات السحاب من بعيد ، و يدفعك الفضول لتنهي قراءة رواية الكاتب " رياض حلايقة " بعنوان " رجل من الماضي " ، فتتفكر في المستقبل وكيف سيكون ، و تجد أن صفحات الرواية تنقلك إلى أكثر من بعد زمني ومكاني ممزوجان بالخيال فتزداد شوقا لمتابعة قراءتها ، لتتعايش مع العديد من المواضيع الاجتماعية والعلمية المتنوعة والتي لازالت حاضرة و معاشة.
و مع أن أزمنة وقوع الأحداث تذبذبت بديناميكية فريدة بكثرة تنقلها بين الأماكن المذكورة عبرذكريات الماضي واستشراف المستقبل ، و تطلع إلى مستقبل يتطلب الخيال لتتفهمه ، فتتلمس مدى إتقان الكاتب " رياض حلايقة " للترتيب الزمني و الخطي للسرد ، ونجاحه في خلق مفاجآت تشوق القاريء، و نثر تلميحات كون من خلالها أحداث الرواية المبنية على دوافع الشخصيات التي تناولها في الرواية وقدم الأدلة المناسبة لكل حدث .
لقد جاءت الرواية بإضافة نوعية جديدة للمكتبة العربية في تناولهاعالم الأدب البوليسي أو أدب الجريمة والذي تفتقره المكتبة العربية ، مع تفردخاص لكاتبها بصيغة الطرح ، فجاءت كبصمة أدبية تميز بها عن غيره من الكتاب ، فيقدرته على توظيف الخيال العلمي في الوقت المناسب لأحداث الرواية .
و حرص الكاتب " رياض الحلايقة " على استقصاء أحداث روايته من التاريخ الماضي وعدم الابتعاد عن الواقع المعاصر من خلال إظهارها المكنونات النفسية لكل شخص من شخوص الرواية ، وتمكنه من تناول العديد من الشرائح الاجتماعية ، التي تنقل بينها في روايته " فلم تخلالرواية من دور تفصيلي دقيق للشخوص مثل الأسرة و الأب و الأم و العم وابن العم ، أو كفاح الفقراء و دعم الأغنياء والأقوياء لهم للحفاظ على التوازن الاجتماعي ، رافقه تعمق في العديد من الوظائف و المهن الاجتماعية المدنية الضرورية لبقاء المجتمع متماسكا وسليما ، وعلى رأسها القيادة المفعمة بالأمل والعطاء والإرادة والخلق الكريم .
لقد أبدع الكاتب "رياض حلايقة" في غزل حروفه بطريقة حلزونية ، ليتصاعد من خلالها بناء اجتماعي محكم بعد حرب طالت الجميع ، و هذا استشراف مستقبلي لما نحن فيه اليوم ، مع حرصه على إظهار قيمة الفرد الحقيقية في النهوض بالمجتمع ، فمن بنى البيت الأول " كوفي وروبرت وزوجتيهما " اللذان اختارا الابتعاد عن المناطق المشتعلة والعيش في مكان آمن (ص 161)، وهذه باتت تطلعات كل فرد في المجتمع في الوقت الحاضر ، وأحد أسباب الهجرات الرئيسي في أي مكان في هذا العالم الذي فقد اتزانه . ولكن لأن الانسان اجتماعي بطبيعته ويحب مشاركة الآخرين بإنسانيته ، شكل الروائي " رياض حلايقة " بذكاء فريد مجتمع الرواية ، وألقى بضوئه على العديد من المشاكل الاجتماعية .
وبجرأة أدبية تخالف ما اعتاد عليه الاخرون في عالمنا العربي من انشغال بالقضايا الشخصية والالتفاف حول الذات في كل ما يطرح ، وبهذا وظف الكاتب أدب الجريمة باللغة العربية الفصحى والمفهومة للقاريء بتناوله حرية الحياة في أماكن من القارة الأمريكية التي ترمز للحرية في كل شعاراتها، ليستنتج القاريء أن النهوض بالمجتمع يتطلب منظومة قيمية وإنسانية إيجابية مهما علا شأنه ، فالحرب والعلم في صراع دائم .
ولم يغفل الكاتب عن تحليل نفسية كل شخص من شخوصه ليعود بالقاريء إلى أسباب سلوكه ، مع حرصه على بناء العلاقات فيما بينهمبحكمة في نسجه الأدبي ، وجمل روايته بفيض من العواطف النبيلة والصادقة ، والتي تتصارع بين أهل الخير و بناة الشر والدمار ، لتنتهي الرواية بسرد تاريخي لعائلة " سوزي " وزواجها من سام ، و لتتكشف الأسرار والحقائق وتحل كل الألغاز و يعم الفرح في أحداث الصفحات الأخيرة من الرواية وتنتهي الدراما الطويلة لتحركات شخوص الرواية .
لقد أعطت قراءةالرواية العديد من الدلالات الاجتماعية والتاريخية والسياسية والعلمية والخيالية إذ تناولت السرديات كل القضايا الاجتماعية وعلى سبيل المثال " ما يحدث في بعض المشافي أو المحاكم أو الصراع على الملكية وانتهاك الحقوق الشخصية وسطوة القوي على الضعيف ".
لقد تفنن الكاتب فيما يلي :
المزج بين أدب الجريمة والخيال العلمي :
موظفا عنصري التشويق والاثارة حتى نهاية الرواية بنفس الروائي الصبور ، و الملهم للأمل ببزوغ فجر جديد مليء بالحياة والفرح ، وبعد اتهامات ليست في محلها ، و تخمين وشك شوها الكثير من العلاقات المتشابكة ، ولابد من التروي لمعرفة الحقيقة الناصعة وعدم الخلط بين ما يحدث في عالم الفساد المالي والمصالح .
وفق في انتقاء عنوان الرواية " رجل من الماضي " :
فجاء مفتاحا لحاضر معاش وتطلعات استشرافية لمستقبل البشرية .
استهلال أدبي شيق للرواية :
لقد أبدع الكاتب " رياض حلايقة " في بناء روايته ، وتميز ببراعة استهلاله في وصف نثري جميل و مشوق للقراءة ويدفعك لمتابعة الأحداث :" كان يرتعد خائفا كعصفور بين يدي هرة جائعة ، عندما ألقي عليه القبض في حديقة صغيرة وسط المدينة " ، فجذب القاريءبرمزيته بين العصفور الضعيف والقطة الجائعة الخارجة عن طورها لفقدان احتياج غريزي وهو الطعام للإشباع .
التمكن من توظيفاللغة العربية في وصف صور الحدث المعبرة بصدق :
أظهرت الرواية مدى تمكن الكاتب رياض الحلايقة من أدوات اللغة العربية و امتلاكه لمفردات لغة أدبية ذات مستوى راق ، مكنته من وصف الأحداث دون ابتذال في الطرح وتوجيه رسائل ضمنية للشباب للمضي قدما في العلم والعمل والعطاء المغلف بأخلاق وقيم سامية : " طلب "جو "من الفتية أن يقبلوه رفيقا لهم يشاركهم حياتهم ويتعلم منهم كي يستطيع مساعدة والده ، ذلك الأمر الذي رحب به الجميع "... " وماهي إلا أيام قليلة حتى استقل "جو "عن رفاقه لما رأى منهم معاملة سيئة للفقراء والمساكين وكبار السن "( ص 49 ). أحبه الجميع .... لذا كان يقضي يومه في العمل دون انقطاع ، ولإخلاصه وأمانته.... كان جو ينسى الشقاء والتعب عندما يعود إلى بيته ويضع تلك البنسات القليلة التي يحصل عليها في يد والده ....لكنه سرعان مايقبع في زاوية البيت كعادته في كل مساء حزينا كئيبا غريبا بين عائلته شاعرا بالألم والحزن والتعاسة ".
" كان "جو " يتأمل والدته المريضة ويتمتم – أنت تؤذيني كثيرا أمي ، أنت تدمرين حبي لك لماذا ؟..لماذا ؟ بعد كل هذا العذاب لاتقدري ما أفعله من أجلكم !!!، أنا أعيش وأشقى لكم كل مالدي أقدمه لكم ، لماذا مازلت تتجاهليني ؟."(ص80).
" استعانت اللجنة بخبراء نفسيين واجتماعيين ، ووضعوا أمامهم كل ماحصلوا عليه من معلومات وأدلة تتعلق بالمتهم ....في محاولة الوصول إلى حقيقة أمره وحل لغزه الذي حيرهم ، عانى والدا سام كثيرا من العذاب والألم الذي حصل لابنهم ، وما آل إليه حاله ، وكانت الأم الأكثر عذابا والأشد حزنا ، وكانت تتمنى لو بقي سام مريضا يعالج في المشفى ....(ص231)".
لقد واكب الكاتب رياض حلايقة اتجاهات الحداثة في الأدب :
بتركيزه على الأحداث مباشرة والابتعاد عن الإطالة في الوصف ، بلغة أدبية رصينة وعبارات يكتنفها بعض الغموض أحيانا ، وجمل ذو معان عميقة ، تدفع بالقاريء لاستكمال القراءة بتمعن ، لأن ما كتب يحاكي خلجات النفس البشرية .
لقد تمكن الكاتب رياض حلايقة من أسر عقل القاريء:
لتعدد الأماكن التي اختارها محلا لأحداثه فمن حديقة إلى مطعم ، وأميركا الحرية ، والهروب خارج المناطق المشتعلة ، والبحث عن زوج داعم ، أو صديق يشد من عزيمتك ، أو أم وأب مثقلان بالهموم ، فالقاريء يتوقع أن المشفى يخلصك من آلام الأمراض ، ومركز الأمن يحميك ، والمحكمة تنصفك ، وفي أرض الحرية هناك ملابسات والجميع يسعى إلى تحقيق الاتزان .
حملة الرسالة وإكمال الدور الاجتماعي :
ويأتي الموت الذي يتطلب وجود الصفوف الثانية من قيادات حملة الرسالة .
أهمية الصحافة :
لقد تطرق الكاتب بشكل معقول وبسرعة تتوافق مع الأحداث كل أدوار الشخوص في روايته ليكشف الجريمة ويبرر الاختفاء لجو البطل ، و أهمية دور الصحافة في توجيه دفة المجتمع بالحقائق المذهلة .
العقد الاجتماعية وأهمية القيم والعواطف :
شكل الكاتب رياض الحلايقة مجتمع روايته من العديد من الشخصيات التي تشكلت لديها عقدا اجتماعية ، و مشاكل نفسية ، وفساد وضعف إنساني ، ظهرت عند تعمقه في الحوارات الداخلية لها تارة وعند حوارتها الخارجية تارة أخرى ، وتفاعلها مع الأحداث ، بشكل عقلاني ومقبول مع تغليفها بوصف للطباع البشرية الجميلة أو المكروهة لما تسببه من آلام عند خروجها عن الصواب والابتعاد عن الحكمة والإتزان .
المنهج العلمي :
تمكن الكاتب من أسلوب السرد المشوق والمبني على الاثارة النفسية وانتهاجه أساليب علمية تعتمد على الاستقراء والاستنباط والبحث عن الحقيقة والابتعاد عن العبثية وتبنى العلم واحترام العلماء .
قفلة جميلة تبعث الأمل وتزرع الفرح في النفوس :
منهيا بخاتمة تتناسب وتطلعات القاريء وفق الطرق التي قاده إليها فلم تتعارض مع مابثه من حقائق ولكنها لم تخلو من المفاجأة الجميلة ومحاكاة نفس القارئة المتعطشة لغرس الأمل في الحياة ولم يغفل عن أي سؤال مبهم تم طرحه أثناء سير الأحداث فجاءت القفلة محكمة وجميلة .
الخاتمة :
هنيئا للروائي الكاتب " رياض الحلايقة " على قدرته المبهرة في إنتاج هذا النوع الأدبي في الخيال العلمي ، وبث الرسائل الضمنية مثل إظهار دور العلم في التوقعات المستقبلية ، وآلية بناء المجتمع بالفطرة السليمة ، و التخلص من الصراع على الأرض وقسوة الحياة ، وتحقيق الرغبات الشخصية والتطلع لمستقبل أفضل بالكفاح و الإصرار والعلم الدؤوب .
وإعماله الفني للغة التخاطب بين الشخوص فبينتأسباب الصراع الإنساني الذي يبدأ من سوء المعاملة بين أفراد الأسرة وينعكس على المجتمع بمجمله ويطال حياة الفرد مهما طالت ، وهذا يؤثر بدوره على البنية الاجتماعية ،
و مع كل الخيال الذي مازج الحبكة تبقى الرواية قريبة من الواقع المعاش ، ولم يؤثر الخيال فيها على متانة المضمون ، بل أظهرت تمكن الكاتب رياض الحلايقة من قدرته على كتابة الرواية وحرصه على تصويب المجتمع حتى ولو بتوظيف الخيال للعجز الذي يعاني منه الجميع في الوقت الراهن وحاجة المجتمع لقوة خارقة للتصويب .
مبارك انتاجك الروائي المفعم بالخيال والأدب الراقي ، وأوصي باقتناءه في كافة المكتبات والمؤسسات التعليمية والاجتماعية لما فيه من رسالة قيمية بناءة .
الدكتورة أمل محمد علمي بورشك
عضو اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين
إسطنبول 4/12/ 2021م
__________________
الجنة تحت أقدام الأمهات
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-03-2022, 11:22 PM
رياض محمد سليم حلايقه غير متواجد حالياً
أديب / طاقم الإدارة
 
تاريخ التسجيل: May 2013
الدولة: عمان / الأردن
المشاركات: 6,039
دولة فلسطين
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رياض محمد سليم حلايقه مشاهدة المشاركة
قراءة نقدية لرواية من الخيال العلمي بعنوان
" رجل من الماضي "ط1 (2014) (٣٨٣ص) دار دجلة ، الأردن
للروائي الكاتب" رياض حلايقة "
إعداد د .أمل بورشك : 1/12/2021م
ما أن تمسك بالرواية وتتأمل صورة الغلاف المصقول الذي ترى فيه بقعة مضيئة على ناطحات السحاب الأمريكية " ترمز إلى أن هناك مساحة من النور والأمل دوما في الحياة "، وغموض مبهم يكتنفك عندما تنظر إلى أسفل الغلاف لتشاهد محددات شكل مخلوق فضائي ينظر إلي ناطحات السحاب من بعيد ، و يدفعك الفضول لتنهي قراءة رواية الكاتب " رياض حلايقة " بعنوان " رجل من الماضي " ، فتتفكر في المستقبل وكيف سيكون ، و تجد أن صفحات الرواية تنقلك إلى أكثر من بعد زمني ومكاني ممزوجان بالخيال فتزداد شوقا لمتابعة قراءتها ، لتتعايش مع العديد من المواضيع الاجتماعية والعلمية المتنوعة والتي لازالت حاضرة و معاشة.
و مع أن أزمنة وقوع الأحداث تذبذبت بديناميكية فريدة بكثرة تنقلها بين الأماكن المذكورة عبرذكريات الماضي واستشراف المستقبل ، و تطلع إلى مستقبل يتطلب الخيال لتتفهمه ، فتتلمس مدى إتقان الكاتب " رياض حلايقة " للترتيب الزمني و الخطي للسرد ، ونجاحه في خلق مفاجآت تشوق القاريء، و نثر تلميحات كون من خلالها أحداث الرواية المبنية على دوافع الشخصيات التي تناولها في الرواية وقدم الأدلة المناسبة لكل حدث .
لقد جاءت الرواية بإضافة نوعية جديدة للمكتبة العربية في تناولهاعالم الأدب البوليسي أو أدب الجريمة والذي تفتقره المكتبة العربية ، مع تفردخاص لكاتبها بصيغة الطرح ، فجاءت كبصمة أدبية تميز بها عن غيره من الكتاب ، فيقدرته على توظيف الخيال العلمي في الوقت المناسب لأحداث الرواية .
و حرص الكاتب " رياض الحلايقة " على استقصاء أحداث روايته من التاريخ الماضي وعدم الابتعاد عن الواقع المعاصر من خلال إظهارها المكنونات النفسية لكل شخص من شخوص الرواية ، وتمكنه من تناول العديد من الشرائح الاجتماعية ، التي تنقل بينها في روايته " فلم تخلالرواية من دور تفصيلي دقيق للشخوص مثل الأسرة و الأب و الأم و العم وابن العم ، أو كفاح الفقراء و دعم الأغنياء والأقوياء لهم للحفاظ على التوازن الاجتماعي ، رافقه تعمق في العديد من الوظائف و المهن الاجتماعية المدنية الضرورية لبقاء المجتمع متماسكا وسليما ، وعلى رأسها القيادة المفعمة بالأمل والعطاء والإرادة والخلق الكريم .
لقد أبدع الكاتب "رياض حلايقة" في غزل حروفه بطريقة حلزونية ، ليتصاعد من خلالها بناء اجتماعي محكم بعد حرب طالت الجميع ، و هذا استشراف مستقبلي لما نحن فيه اليوم ، مع حرصه على إظهار قيمة الفرد الحقيقية في النهوض بالمجتمع ، فمن بنى البيت الأول " كوفي وروبرت وزوجتيهما " اللذان اختارا الابتعاد عن المناطق المشتعلة والعيش في مكان آمن (ص 161)، وهذه باتت تطلعات كل فرد في المجتمع في الوقت الحاضر ، وأحد أسباب الهجرات الرئيسي في أي مكان في هذا العالم الذي فقد اتزانه . ولكن لأن الانسان اجتماعي بطبيعته ويحب مشاركة الآخرين بإنسانيته ، شكل الروائي " رياض حلايقة " بذكاء فريد مجتمع الرواية ، وألقى بضوئه على العديد من المشاكل الاجتماعية .
وبجرأة أدبية تخالف ما اعتاد عليه الاخرون في عالمنا العربي من انشغال بالقضايا الشخصية والالتفاف حول الذات في كل ما يطرح ، وبهذا وظف الكاتب أدب الجريمة باللغة العربية الفصحى والمفهومة للقاريء بتناوله حرية الحياة في أماكن من القارة الأمريكية التي ترمز للحرية في كل شعاراتها، ليستنتج القاريء أن النهوض بالمجتمع يتطلب منظومة قيمية وإنسانية إيجابية مهما علا شأنه ، فالحرب والعلم في صراع دائم .
ولم يغفل الكاتب عن تحليل نفسية كل شخص من شخوصه ليعود بالقاريء إلى أسباب سلوكه ، مع حرصه على بناء العلاقات فيما بينهمبحكمة في نسجه الأدبي ، وجمل روايته بفيض من العواطف النبيلة والصادقة ، والتي تتصارع بين أهل الخير و بناة الشر والدمار ، لتنتهي الرواية بسرد تاريخي لعائلة " سوزي " وزواجها من سام ، و لتتكشف الأسرار والحقائق وتحل كل الألغاز و يعم الفرح في أحداث الصفحات الأخيرة من الرواية وتنتهي الدراما الطويلة لتحركات شخوص الرواية .
لقد أعطت قراءةالرواية العديد من الدلالات الاجتماعية والتاريخية والسياسية والعلمية والخيالية إذ تناولت السرديات كل القضايا الاجتماعية وعلى سبيل المثال " ما يحدث في بعض المشافي أو المحاكم أو الصراع على الملكية وانتهاك الحقوق الشخصية وسطوة القوي على الضعيف ".
لقد تفنن الكاتب فيما يلي :
المزج بين أدب الجريمة والخيال العلمي :
موظفا عنصري التشويق والاثارة حتى نهاية الرواية بنفس الروائي الصبور ، و الملهم للأمل ببزوغ فجر جديد مليء بالحياة والفرح ، وبعد اتهامات ليست في محلها ، و تخمين وشك شوها الكثير من العلاقات المتشابكة ، ولابد من التروي لمعرفة الحقيقة الناصعة وعدم الخلط بين ما يحدث في عالم الفساد المالي والمصالح .
وفق في انتقاء عنوان الرواية " رجل من الماضي " :
فجاء مفتاحا لحاضر معاش وتطلعات استشرافية لمستقبل البشرية .
استهلال أدبي شيق للرواية :
لقد أبدع الكاتب " رياض حلايقة " في بناء روايته ، وتميز ببراعة استهلاله في وصف نثري جميل و مشوق للقراءة ويدفعك لمتابعة الأحداث :" كان يرتعد خائفا كعصفور بين يدي هرة جائعة ، عندما ألقي عليه القبض في حديقة صغيرة وسط المدينة " ، فجذب القاريءبرمزيته بين العصفور الضعيف والقطة الجائعة الخارجة عن طورها لفقدان احتياج غريزي وهو الطعام للإشباع .
التمكن من توظيفاللغة العربية في وصف صور الحدث المعبرة بصدق :
أظهرت الرواية مدى تمكن الكاتب رياض الحلايقة من أدوات اللغة العربية و امتلاكه لمفردات لغة أدبية ذات مستوى راق ، مكنته من وصف الأحداث دون ابتذال في الطرح وتوجيه رسائل ضمنية للشباب للمضي قدما في العلم والعمل والعطاء المغلف بأخلاق وقيم سامية : " طلب "جو "من الفتية أن يقبلوه رفيقا لهم يشاركهم حياتهم ويتعلم منهم كي يستطيع مساعدة والده ، ذلك الأمر الذي رحب به الجميع "... " وماهي إلا أيام قليلة حتى استقل "جو "عن رفاقه لما رأى منهم معاملة سيئة للفقراء والمساكين وكبار السن "( ص 49 ). أحبه الجميع .... لذا كان يقضي يومه في العمل دون انقطاع ، ولإخلاصه وأمانته.... كان جو ينسى الشقاء والتعب عندما يعود إلى بيته ويضع تلك البنسات القليلة التي يحصل عليها في يد والده ....لكنه سرعان مايقبع في زاوية البيت كعادته في كل مساء حزينا كئيبا غريبا بين عائلته شاعرا بالألم والحزن والتعاسة ".
" كان "جو " يتأمل والدته المريضة ويتمتم – أنت تؤذيني كثيرا أمي ، أنت تدمرين حبي لك لماذا ؟..لماذا ؟ بعد كل هذا العذاب لاتقدري ما أفعله من أجلكم !!!، أنا أعيش وأشقى لكم كل مالدي أقدمه لكم ، لماذا مازلت تتجاهليني ؟."(ص80).
" استعانت اللجنة بخبراء نفسيين واجتماعيين ، ووضعوا أمامهم كل ماحصلوا عليه من معلومات وأدلة تتعلق بالمتهم ....في محاولة الوصول إلى حقيقة أمره وحل لغزه الذي حيرهم ، عانى والدا سام كثيرا من العذاب والألم الذي حصل لابنهم ، وما آل إليه حاله ، وكانت الأم الأكثر عذابا والأشد حزنا ، وكانت تتمنى لو بقي سام مريضا يعالج في المشفى ....(ص231)".
لقد واكب الكاتب رياض حلايقة اتجاهات الحداثة في الأدب :
بتركيزه على الأحداث مباشرة والابتعاد عن الإطالة في الوصف ، بلغة أدبية رصينة وعبارات يكتنفها بعض الغموض أحيانا ، وجمل ذو معان عميقة ، تدفع بالقاريء لاستكمال القراءة بتمعن ، لأن ما كتب يحاكي خلجات النفس البشرية .
لقد تمكن الكاتب رياض حلايقة من أسر عقل القاريء:
لتعدد الأماكن التي اختارها محلا لأحداثه فمن حديقة إلى مطعم ، وأميركا الحرية ، والهروب خارج المناطق المشتعلة ، والبحث عن زوج داعم ، أو صديق يشد من عزيمتك ، أو أم وأب مثقلان بالهموم ، فالقاريء يتوقع أن المشفى يخلصك من آلام الأمراض ، ومركز الأمن يحميك ، والمحكمة تنصفك ، وفي أرض الحرية هناك ملابسات والجميع يسعى إلى تحقيق الاتزان .
حملة الرسالة وإكمال الدور الاجتماعي :
ويأتي الموت الذي يتطلب وجود الصفوف الثانية من قيادات حملة الرسالة .
أهمية الصحافة :
لقد تطرق الكاتب بشكل معقول وبسرعة تتوافق مع الأحداث كل أدوار الشخوص في روايته ليكشف الجريمة ويبرر الاختفاء لجو البطل ، و أهمية دور الصحافة في توجيه دفة المجتمع بالحقائق المذهلة .
العقد الاجتماعية وأهمية القيم والعواطف :
شكل الكاتب رياض الحلايقة مجتمع روايته من العديد من الشخصيات التي تشكلت لديها عقدا اجتماعية ، و مشاكل نفسية ، وفساد وضعف إنساني ، ظهرت عند تعمقه في الحوارات الداخلية لها تارة وعند حوارتها الخارجية تارة أخرى ، وتفاعلها مع الأحداث ، بشكل عقلاني ومقبول مع تغليفها بوصف للطباع البشرية الجميلة أو المكروهة لما تسببه من آلام عند خروجها عن الصواب والابتعاد عن الحكمة والإتزان .
المنهج العلمي :
تمكن الكاتب من أسلوب السرد المشوق والمبني على الاثارة النفسية وانتهاجه أساليب علمية تعتمد على الاستقراء والاستنباط والبحث عن الحقيقة والابتعاد عن العبثية وتبنى العلم واحترام العلماء .
قفلة جميلة تبعث الأمل وتزرع الفرح في النفوس :
منهيا بخاتمة تتناسب وتطلعات القاريء وفق الطرق التي قاده إليها فلم تتعارض مع مابثه من حقائق ولكنها لم تخلو من المفاجأة الجميلة ومحاكاة نفس القارئة المتعطشة لغرس الأمل في الحياة ولم يغفل عن أي سؤال مبهم تم طرحه أثناء سير الأحداث فجاءت القفلة محكمة وجميلة .
الخاتمة :
هنيئا للروائي الكاتب " رياض الحلايقة " على قدرته المبهرة في إنتاج هذا النوع الأدبي في الخيال العلمي ، وبث الرسائل الضمنية مثل إظهار دور العلم في التوقعات المستقبلية ، وآلية بناء المجتمع بالفطرة السليمة ، و التخلص من الصراع على الأرض وقسوة الحياة ، وتحقيق الرغبات الشخصية والتطلع لمستقبل أفضل بالكفاح و الإصرار والعلم الدؤوب .
وإعماله الفني للغة التخاطب بين الشخوص فبينتأسباب الصراع الإنساني الذي يبدأ من سوء المعاملة بين أفراد الأسرة وينعكس على المجتمع بمجمله ويطال حياة الفرد مهما طالت ، وهذا يؤثر بدوره على البنية الاجتماعية ،
و مع كل الخيال الذي مازج الحبكة تبقى الرواية قريبة من الواقع المعاش ، ولم يؤثر الخيال فيها على متانة المضمون ، بل أظهرت تمكن الكاتب رياض الحلايقة من قدرته على كتابة الرواية وحرصه على تصويب المجتمع حتى ولو بتوظيف الخيال للعجز الذي يعاني منه الجميع في الوقت الراهن وحاجة المجتمع لقوة خارقة للتصويب .
مبارك انتاجك الروائي المفعم بالخيال والأدب الراقي ، وأوصي باقتناءه في كافة المكتبات والمؤسسات التعليمية والاجتماعية لما فيه من رسالة قيمية بناءة .
الدكتورة أمل محمد علمي بورشك
عضو اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين
إسطنبول 4/12/ 2021م
اعيد نشرها لعل احد الماره يجد فيه شيئا مثيرا
__________________
الجنة تحت أقدام الأمهات
رد مع اقتباس
رد

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

الانتقال السريع إلى

الساعة الآن: 05:29 AM
تعريب و ترقية أستايل عين السيح
Powered by vBulletin® Version unknown
ما ينشر هنا يمثل رأي الاعضاء ومصادرهم وليس بالضرورة ان يكون رأي ادارة المنتدى.